حذّر محمد بازي، كاتب عمود في النسخة الأمريكية من «الجارديان»، من أن التهديدات المتكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ«محو» إيران من الوجود باتت تُعامل باعتبارها سلوكًا معتادًا، رغم ما تحمله من عواقب واقعية وخطيرة، مشيرًا إلى أن تطبيع هذه اللغة يساهم في جعل العنف واسع النطاق، بما في ذلك استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية، يبدو وكأنه أسلوب مشروع من أساليب الحرب.

 


تهديدات ترامب ضد إيران تتحول إلى خطاب معتاد


خلال القتال بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق هرمز الأسبوع الماضي، أطلق ترامب تهديدًا جديدًا من تهديداته المعتادة. وقال في مقابلة مع مراسل شبكة «فوكس نيوز» إن إيران ستُمحى «بالكامل كدولة» إذا ردت على أحدث موجة من الغارات الجوية الأمريكية.


ولم يحظ تهديد الرئيس الأمريكي بمحو دولة أخرى من الوجود إلا باهتمام محدود في عناوين الأخبار، حتى خلال أسبوع إخباري هادئ نسبيًا وفق معايير إدارة ترامب.


وأطلق ترامب هذا النوع من التحذيرات بصورة متكررة طوال الأشهر الستة الماضية من حربه ضد إيران، إلى درجة أنها لم تعد تثير الاهتمام كما ينبغي. لكن بازي يرى أن من الضروري عدم تطبيع تهديدات ترامب، التي تترافق عادة مع وعود بتدمير البنية التحتية الإيرانية، بما في ذلك الجسور ومحطات الكهرباء.


وتشكل هذه الهجمات، وفقًا للقانون الدولي، جرائم حرب. ويرى الكاتب أن التعامل مع تصريحات ترامب باعتبارها مجرد تعبير عن أسلوبه الاستعراضي أو عدم القدرة على التنبؤ بسلوكه يؤدي إلى آثار واقعية، إذ تصبح المجتمعات الأمريكية والغربية أقل حساسية تدريجيًا تجاه فكرة العنف واسع النطاق، بما يشمل استهداف المدنيين والمنشآت المدنية.


ويشير بازي كذلك إلى أن الحرب الإسرائيلية على غزة ساهمت في جعل قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية أكثر اعتيادًا على الفظائع واسعة النطاق، بما فيها القصف الجوي المكثف الذي يؤدي إلى سقوط أعداد ضخمة من الضحايا المدنيين ونزوح السكان.

 


من تهديد «العصر الحجري» إلى محو الحضارة الإيرانية


مهّد ترامب لتهديداته الكارثية ضد إيران بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب، عندما اتضح أن الولايات المتحدة لن تحقق الانتصار العسكري السريع الذي كان يأمل فيه.


وفي 7 أبريل، وبينما كان يتردد بين الموافقة على وقف إطلاق النار وإصدار أوامر بتكثيف القصف، نشر ترامب تهديدًا على وسائل التواصل الاجتماعي قال فيه إن «حضارة بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود إلى الوجود مرة أخرى».


وسبق ذلك بأيام إطلاقه سلسلة تحذيرات هدد فيها بتدمير البنية التحتية الإيرانية ما لم تعاود طهران فتح مضيق هرمز، الذي كانت تمر عبره خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم قبل أن تغلقه إيران فعليًا مع بداية الحرب.


وفي خطاب متلفز من البيت الأبيض في الأول من أبريل/نيسان، هدد ترامب بقصف إيران وإعادتها «إلى العصر الحجري الذي تنتمي إليه». وبعد خمسة أيام، قال إن إيران «يمكن القضاء عليها في ليلة واحدة»، معلنًا أن لدى الولايات المتحدة خطة لتدمير كل جسر ومحطة كهرباء في البلاد، وترك تلك المنشآت «تحترق وتنفجر ولا تُستخدم مرة أخرى».


ووضع ترامب مهلة تنتهي في الثامنة مساءً بالتوقيت الشرقي في 7 أبريل/نيسان أمام القادة الإيرانيين للاستجابة لمطالبه. ومع اقتراب الموعد، نشر عبر منصته «تروث سوشيال» تهديده الشهير بمحو الحضارة الإيرانية.


وأثار ذلك التهديد بشن هجمات واسعة النطاق على بلد يبلغ عدد سكانه نحو 90 مليون نسمة غضبًا دوليًا، إذ أدانه الأمين العام للأمم المتحدة والبابا. وذهب خبراء في حقوق الإنسان إلى أن تصريح ترامب قد يشكل تهديدًا بارتكاب إبادة جماعية، وهي جريمة تعرفها اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية بأنها أفعال تُرتكب بقصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليًا أو جزئيًا.


وقبل انتهاء المهلة بقليل، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني أن الولايات المتحدة وإيران اتفقتا على وقف فوري لإطلاق النار. لكن ترامب لم يعتذر عن تصريحه ولم يتراجع عنه. ويتساءل بازي: لماذا يشعر ترامب أصلًا بأي ضغط يدفعه إلى ذلك، في عالم لا تترتب فيه، بحسب رأيه، عواقب حقيقية على التهديد بالإبادة الجماعية أو تنفيذها؟

 


غزة أسست لعصر جديد من الإفلات من العقاب


يرى بازي أن تهديد ترامب بمحو إيران يمثل جزئيًا نتاجًا لنظام دولي جديد نشأ خلال السنوات الثلاث الماضية، بعدما قدمت الولايات المتحدة مليارات الدولارات من الأسلحة لإسرائيل وحمتها سياسيًا وعسكريًا بينما شنت حربًا وصفها الكاتب بأنها إبادة جماعية في غزة.


وفي ولايته الثانية، أصبح ترامب، بحسب الكاتب، أكثر اندفاعًا وتصرفًا بصورة تشبه الحاكم المستبد الذي أسكره الشعور بالقوة. لكنه استفاد أيضًا من نظام عالمي ناشئ أسهم فيه قادة غربيون في تقويض عقود من الأعراف الدولية وواجهة سيادة القانون، بهدف تمكين إسرائيل من مواصلة إراقة الدماء في غزة، ولاحقًا في لبنان.


وكما حدث مع غزة، أصبح كثير من القوى والقادة الغربيين، وفقًا لبازي، أقل حساسية تجاه الخسائر والمعاناة التي يعيشها الفلسطينيون والإيرانيون واللبنانيون وغيرهم في الشرق الأوسط. وما دام هذا التبلد والإفلات من العقاب مستمرين، فسوف يصبح من الطبيعي أن يهدد رئيس الولايات المتحدة بتدمير مجتمعات وحضارات بأكملها، كما فعل ترامب تجاه إيران.


ولا يحمّل الكاتب ترامب وحده مسؤولية الوصول إلى هذه المرحلة. فعلى الرغم من إمكانية وصفه بأنه زعيم عالمي غير متوقع أو حتى غير عقلاني، يزدري المؤسسات والقواعد الدولية، فإن الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، إلى جانب قادة غربيين آخرين قدموا دعمًا ثابتًا لإسرائيل عقب هجمات حماس في أكتوبر 2023، ساعد في تمهيد الطريق أمام عصر الإفلات من العقاب الذي يعيشه العالم اليوم.


وعلى مدى 15 شهرًا، قوضت إدارة بايدن مؤسسات دولية، من بينها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، بهدف مساعدة إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو على تفادي العواقب المترتبة على جرائم الحرب في غزة. ويرى بازي أن تقاعس بايدن والقادة الغربيين وعرقلتهم للمحاسبة في غزة أفرغا القانون الدولي من معناه، ولم يعد بعدها سوى مسألة وقت قبل أن يتخلى ترامب عن أي تظاهر بالالتزام بخطاب حقوق الإنسان وسيادة القانون.


ويفضل ترامب، بحسب الكاتب، استعراض القوة العسكرية الأمريكية وقدرة بلاده على إلحاق دمار واسع بأعدائها.


وانعكس تطبيع الفظائع الإسرائيلية في غزة على أنحاء العالم، بما في ذلك الحرب الإقليمية المتسعة التي انخرطت فيها إيران والولايات المتحدة. كما أدى ذلك إلى تراجع الغضب الدولي تجاه تهديدات ترامب المتكررة بتدمير إيران، حتى خلال فترة زمنية لا تتجاوز بضعة أشهر.


ففي أبريل،، أثار تحذير ترامب من أن «حضارة بأكملها ستموت» إدانة دولية واسعة، بينما بالكاد أثارت تهديداته اللاحقة الاهتمام. وفي يوليو/تموز، قال ترامب إن الولايات المتحدة ستقصف جسرًا أو محطة كهرباء إيرانية واحدة مقابل كل مرة تطلق فيها إيران النار على سفينة في مضيق هرمز.

ويشكل الانتقام من خلال استهداف منشآت مدنية جريمة حرب، لكن ترامب جعل مثل هذه التهديدات تبدو، بحسب بازي، أمرًا عاديًا وجزءًا مألوفًا من الحرب. ويخلص الكاتب إلى أن الأمريكيين وبقية العالم ينبغي، في الحد الأدنى، إلى مواجهة هذه التصريحات ورفض تطبيعها.

 

https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/sep/10/trump-iran-violence